الغزالي
136
إحياء علوم الدين
أما الشروط التي لا بد من تقديمها في الإرادة ، فهي رفع السد والحجاب الذي بينه وبين الحق . فإن حرمان الخلق عن الحق ، سببه تراكم الحجب ، ووقوع السد على الطريق . قال الله تعالى * ( وجَعَلْنا من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) * « 1 » والسد بين المريد وبين الحق أربعة ، المال ، والجاه ، والتقليد ، والمعصية وإنما يرفع حجاب المال بخروجه عن ملكه ، حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة . فما دام يبقى له درهم يلتفت إليه قلبه ، فهو مقيد به . محجوب عن الله عز وجل . وإنما يرتفع حجاب الجاه بالبعد عن موضع الجاه ، بالتواضع وإيثار الخمول ، والهرب من أسباب الذكر ، وتعاطى أعمال تنفر قلوب الخلق عنه وإنما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصب للمذاهب ، وأن يصدق بمعنى قوله لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، تصديق إيمان ، ويحرص في تحقيق صدقه بأن يرفع كل معبود له سوى الله تعالى . وأعظم معبود له الهوى ، حتى إذا فعل ذلك ، انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الذي تلقفه تقليدا . فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة ، لا من المجادلة . فإن غلب عليه التعصب لمعتقده ، ولم يبق في نفسه متسع لغيره ، صار ذلك قيدا له وحجابا . إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين أصلا وأما المعصية فهي حجاب ، ولا يرفعها إلا التوبة والخروج من المظالم ، وتصميم العزم على ترك العود ، وتحقيق الندم على ما مضى ، ورد المظالم ، وإرضاء الخصوم . فإن من لم يصحح التوبة ، ولم يهجر المعاصي الظاهرة ، وأراد أن يقف على أسرار الدين بالمكاشفة كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرءان وتفسيره ، وهو بعد لم يتعلم لغة العرب . فإن ترجمة عربية القرءان لا بد من تقديمها أولا ، ثم الترقي منها إلى أسرار معانيه . فكذلك لا بد من تصحيح ظاهر الشريعة أولا وآخرا ، ثم الترقي إلى أغوارها وأسرارها فإذا قدم هذه الشروط الأربعة ، وتجرد عن المال والجاه ، كان كمن تطهر وتوضأ ورفع الحدث ، وصار صالحا للصلاة ، فيحتاج إلى إمام يقتدى به . فكذلك المريد ، يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدى به لا محالة ، ليهديه إلى سواء السبيل . فإن سبيل الدين غامض ،
--> « 1 » يس : 9